هيثم سعيد يكتب الرياضة في عصر الشاشة الصغيرة كيف تغيّر تصميم الحدث الرياضي من الملعب إلى المنصة

اسماء خضر25 مارس 2026
هيثم سعيد يكتب الرياضة في عصر الشاشة الصغيرة
هيثم سعيد يكتب الرياضة في عصر الشاشة الصغيرة كيف تغيّر تصميم الحدث الرياضي من الملعب إلى المنصة

بقلم: هيثم سعيد

قبل عقدين فقط، كان تصميم الحدث الرياضي يبدأ دائماً من الملعب. بطولة تُنظَّم، جمهور يجلس في المدرجات، ثم تأتي الكاميرات لنقل ما يحدث إلى الملايين خلف الشاشات. كان البث وسيلة نقل، لا جزءاً من بنية الحدث.

اليوم تغيّر هذا المنطق جذرياً.
يوضح هيثم سعيد أن عصر المنصات الرقمية والهواتف الذكية أعاد ترتيب أولويات صناعة الرياضة بالكامل، لم يعد السؤال الأول لمنظّمي الأحداث الرياضية: كيف سننظّم البطولة؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف ستبدو هذه اللحظة على الشاشة؟

هذا التحول في طريقة مشاهدة الرياضة أعاد تشكيل طريقة تصميمها. الجيل الجديد من الجمهور لا يتعامل مع الرياضة بوصفها تجربة مشاهدة طويلة فحسب، بل كحالة من التفاعل السريع والمحتوى اللحظي. مقطع مدته ثلاثون ثانية قد ينتشر عالمياً ويحقق تأثيراً يفوق مباراة كاملة. نتيجة لذلك، لم يعد الحدث الرياضي يُصمَّم فقط ليكون مثيراً داخل الملعب، بل ليصنع لحظات قادرة على الانتشار عبر الهواتف والمنصات.

أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول هو ما قامت به شركة Red Bull خلال العقدين الماضيين. بدلاً من الاكتفاء برعاية البطولات، قررت أن تصبح صانعة للأحداث نفسها. الفكرة كانت بسيطة لكنها ثورية: ابتكار أحداث رياضية مصمَّمة من البداية لتكون مذهلة بصرياً وقابلة للانتشار الإعلامي.

هكذا ظهرت منافسات كـRed Bull Rampage في الدراجات الجبلية، وRed Bull Cliff Diving World Series في القفز من المرتفعات. هذه الأحداث لم تكن موجودة أصلاً ضمن الرياضات الجماهيرية، لكنها تحوّلت بمرور الوقت إلى ظواهر عالمية يتابعها الملايين.

اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت عام 2012 مع مشروع Red Bull Stratos، حين قفز المغامر النمساوي Felix Baumgartner من حافة الغلاف الجوي من ارتفاع يقارب 39 كيلومتراً. شاهد البث المباشر على YouTube أكثر من ثمانية ملايين شخص في اللحظة ذاتها — رقم قياسي آنذاك — وخلال أيام قليلة تحوّلت اللقطة إلى واحدة من أكثر اللحظات تداولاً في تاريخ الإعلام الرقمي. الحدث لم يكن بطولة تقليدية، لكنه أثبت فكرة جوهرية: حين يُصمَّم الحدث من البداية كقصة إعلامية، يمكن أن يتجاوز تأثيره أي منافسة رياضية تقليدية.

فكرة تصميم التحديات الرياضية للشاشة
ليست جديدة بالكامل. برامج مثل American Ninja Warrior وTelematch قدّمت منذ عقود نموذجاً يقوم على مراحل سريعة وتحديات بدنية متتابعة تصنع إثارة متواصلة. لكنها كانت جزءاً من منظومة التلفزيون التقليدي وخاضعة لمنطقه.

أما اليوم، فقد أعادت المنصات الرقمية تشكيل اللعبة بالكامل. مع انتشار TikTok وYouTube وInstagram، لم يعد المحتوى الرياضي يعتمد على قناة بث واحدة، بل أصبح قادراً على الانتشار عبر منظومة رقمية كاملة تقودها الخوارزميات وسلوك الجمهور. في هذا النظام الجديد، لم يعد نجاح الحدث يُقاس فقط بعدد المشاهدين المباشرين، بل بقدرته على إنتاج لحظات قابلة للمشاركة والتداول.
التحول لا يقتصر على العلامات التجارية الكبرى. حتى الرياضيون أنفسهم بدأوا في إعادة تصوّر شكل المنافسات. من أبرز الأمثلة الحديثة دوري Kings League الذي أطلقه لاعب برشلونة السابق Gerard Piqué — مباريات كرة قدم سباعية بقواعد مبتكرة وإيقاع سريع، لكنها صُمِّمت أساساً لتكون تجربة رقمية تفاعلية يشارك فيها الجمهور في صناعة الحدث عبر المنصات لا مجرد مشاهدته.

النتيجة كانت لافتة: بعض المباريات جذبت أكثر من مليون مشاهد مباشر عبر البث الرقمي، فيما حقّقت مقاطعها عشرات الملايين من المشاهدات على منصات التواصل.

ويرى هيثم سعيد أن هذه النماذج تعكس تحولاً أعمق: الرياضة لم تعد مجرد منافسة تُعرض على الشاشة، بل تجربة تُبنى حول ثقافة الإنترنت نفسها.

هذا التحول انعكس أيضاً على اقتصاد البث الرياضي. النموذج التقليدي كان بسيطاً: تبيع البطولة حقوقها لقناة تلفزيونية مقابل عقد طويل الأمد. أما اليوم فأصبح النظام أكثر مرونة وتعقيداً في الوقت ذاته. قد يكون الحدث حصرياً لمنصة رقمية معينة، بينما تنتشر أبرز لحظاته بحرية عبر منصات أخرى.

الانتشار لم يعد خطراً على الحقوق التجارية، بل أصبح جزءاً من قيمتها. مقطع ينتشر على TikTok أو Instagram يجذب ملايين المشاهدين الجدد إلى الحدث الأصلي بدلاً من أن يستنزفه.

ما تكشفه هذه التحولات مجتمعةً هو أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل الملعب، بل أصبحت تجربة إعلامية متعددة المنصات. الرياضات التقليدية الكبرى ستظل في قلب الصناعة، لكنها لم تعد وحدها في المشهد. إلى جانبها يتشكّل عالم جديد من الأحداث المصمَّمة خصيصاً لجمهور يعيش على الشاشة الصغيرة ويتفاعل مع المحتوى في الزمن الحقيقي.

في هذا العالم، لم يعد النجاح مرتبطاً فقط بعدد الجماهير في المدرجات، بل بقدرة الحدث على خلق لحظة تُشاهَد وتُشارَك وتعيش طويلاً بعد انتهاء المنافسة.

ويختتم هيثم سعيد رؤيته بأن مستقبل الرياضة لن يكون فقط لمن ينظّم أكبر البطولات — بل لمن ينجح في تصميم اللحظة التي يريد العالم كله أن يراها.