
كتبت شهد مصطفي
أمام سوق السمك، تجلس خضروات عم حسن مصطفة على فرشته الصغيرة؛ جرجير وخس وكرفس وكزبرة وبصل وليمون، أصناف بسيطة تمثل حصيلة يوم من العمل، وخلفها حكاية رجل تجاوز الثانية والستين، حفرت سنوات الكفاح تفاصيلها على يديه، وتركت مشقة الحياة بصمتها على ملامحه.
لم تكن تلك التشققات مجرد آثار للعمل الشاق، بل سطورًا في حكاية بدأت من أسوان، حيث النشأة بين الأرض والزراعة والحصاد، وانطلقت منها رحلة البحث عن الرزق، بإمكانات محدودة وإرادة لم تعرف طريق الاستسلام.

يستعيد عم حسن بداياته قائلًا: «في أوائل السبعينيات، وبعد حصولي على دبلوم الزراعة، لم أكن أريد العمل لدى أحد، وكان بداخلي إصرار على أن أمتلك مالي ومشروعي، رغم أن كل ما كنت أملكه وقتها لم يتجاوز 20 جنيهًا».
بذلك المبلغ البسيط، قرر أن يبدأ مشروعه في بيع الخضروات، مستندًا إلى خبرة اكتسبها من بيئته التي ارتبطت بالزراعة والمحاصيل والتجارة فيها. لم ينتظر رأس مال كبيرًا، ولم يجعل قلة الإمكانات سببًا للتراجع، بل بدأ بما يملك، وترك للأيام والعمل فرصة لبناء ما يحلم به.
ومع مرور الوقت، بدأ المشروع يدر عليه ربحًا استطاع أن يدخر منه تكاليف الزواج، لتفتح الحياة أمامه بابًا جديدًا، ظن أنه سيعبره سريعًا نحو تكوين أسرته، لكن رحلة الأبوة كان لها موعد آخر.
18 عامًا من الانتظار
تزوج عم حسن، وعاش مع زوجته سنوات طويلة ينتظران خلالها نعمة الإنجاب، عامًا بعد آخر، وأملًا يتجدد مع كل دعاء، حتى مرت 18 عامًا دون أن يسمع الكلمة التي طالما تمناها: «بابا».
لم يكن الانتظار سهلًا، لكن الرجل تمسك بالأمل، وواصل الدعاء إلى الله أن يرزقه الذرية، حتى جاءت الاستجابة بعد سنوات طويلة، ورُزق بصبي، ثم جاءه طفل آخر بعد تسعة أشهر فقط.
تحولت فرحته التي انتظرها قرابة عقدين إلى مسؤولية كبيرة، وأصبح هدفه الذي شغل تفكيره هو كيفية تربية أبنائه وتنشئتهم على القيم الدينية والأخلاقية التي يؤمن بها.
ومن أجل ذلك، تقدم بأوراق نجليه للالتحاق بالتعليم الأزهري، رغبة في أن ينشآ على ما يراه أساسًا صالحًا لحياتهما ومستقبلهما.
أمنية لا تتجاوز ستر الأسرة
وبينما تمضي الأيام، تظل الحياة المادية متقلبة، يوم تمنحه فيه ما يكفي لتدبير احتياجات أسرته، وأيام تزداد فيها الأعباء وتضيق فيها سبل الرزق. ومع ذلك، يتمسك عم حسن بكرامته، رافضًا أن يمد يده بالسؤال لأحد، ومؤمنًا بأن الرزق بيد الله وحده.
لا يتحدث عن ثروة يتمنى جمعها، ولا عن مشروع كبير يسعى إلى امتلاكه، وإنما يختصر أحلامه في أمنية تبدو بسيطة أمام سنوات عمره الطويلة: دخل ثابت يعينه وأسرته على مواجهة أعباء الحياة.
هكذا تستمر رحلة عم حسن أمام سوق السمك، بين خضرواته التي يرتبها كل يوم، وأيدٍ أنهكها العمل، وقلب لا يزال متعلقًا بالأمل. رحلة بدأت بعشرين جنيهًا، ومرت بسنوات من الانتظار، ولا تزال تحمل المعنى ذاته؛ أن يعيش الإنسان من كد يده، وأن يوفر لأبنائه حياة كريمة، دون أن يفقد اعتزازه بنفسه.



