
كتبت شهد مصطفي
من عربة الخبز إلى صفحات المصحف.. حكاية رجل ستيني يواجه قسوة الحياة بالإيمان، ويستمد من كتاب الله طمأنينة القلب وبركة الرزق
في شوارع الغردقة، حيث تنخفض درجات الحرارة مع اقتراب الشتاء، ويبحث كثيرون عن دفء منازلهم هربًا من برودة الليل، يخرج عم طه أبو علي، الرجل الستيني، دافعًا عربته اليدوية التي تحمل أرزاقه من الخبز الطازج، ليبدأ رحلة يومية جديدة في شوارع المدينة، بحثًا عن لقمة العيش الحلال.
وبين حركة السيارات وهدوء الشوارع في الساعات الباردة، يمضي عم طه في طريقه، لا يحمل همَّ رزقه وحده، بل يصطحب رفيقًا لا يفارقه؛ كتاب الله، الذي يجد بين صفحاته راحة تتجاوز مشقة الجسد، وسكينة تعينه على مواجهة الأيام الصعبة.
كلما اشتدت برودة الطقس، أمسك عم طه بالمصحف، يقرأ آياته مستمدًا منها دفء الروح وطمأنينة القلب. فبالنسبة إليه، لا تقتصر علاقته بالقرآن على لحظات العبادة، بل تمتد إلى تفاصيل حياته اليومية، حيث يجد فيه ما يخفف عنه أعباء العمل، ويمنحه القوة لمواصلة السعي مهما كانت الظروف.
أبٌ كافح من أجل أبنائه.. والإيمان رفيق الرحلة
خلف ملامح عم طه الهادئة حكاية أب أمضى سنوات عمره في العمل والكفاح، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا: أن يرى ابنه وابنته في بر الأمان، وأن يوفر لهما حياة كريمة بقدر ما يستطيع.

لم تكن الطريق سهلة، فالحياة تحمل أحيانًا أعباء تتجاوز إمكانات الإنسان، وتضعه أمام اختبارات لا يعرف كيف يتجاوزها. لكن عم طه يتحدث عن تلك اللحظات بإيمان وامتنان، مستحضرًا ما يصفه بـ«جنود الله الخفية»، الذين يسخرهم الله لعباده في أوقات الشدة، حين تبدو الحلول بعيدة، ثم يأتي الفرج من حيث لا يحتسب الإنسان.
ومن بين المواقف التي لا ينساها، اقتراب موعد زفاف ابنته الوحيدة، بينما لم تكن ظروفه المادية تسمح باستكمال مستلزمات زواجها، أو شراء كل ما تحتاج إليه لتبدأ حياتها الجديدة.
يتذكر تلك الأيام، وكيف كان يحمل همَّ تجهيز ابنته، حتى جاءت الانفراجة التي لم يكن يتوقعها، وتمكن من شراء أجهزة ومستلزمات لم يتصور أن تسمح له إمكاناته بشرائها.
وعن تلك التجربة، يستعيد عم طه تفاصيلها باعتبارها واحدة من اللحظات التي رسخت داخله معنى الرزق والفرج، ويربط ما حدث ببركة القرآن الكريم، الذي يحرص على قراءته ويتمسك به في مختلف ظروف حياته.
بالنسبة إليه، لم تكن الفرحة في استكمال جهاز ابنته فحسب، بل في الشعور بأن الله لم يتركه وحيدًا أمام عجزه، وأن أبواب الرزق قد تُفتح في اللحظة التي يظن فيها الإنسان أن الطريق قد ضاق.
من زبائن الخبز إلى الأصدقاء.. محبة تتجاوز حدود المكان
ولا تقتصر حكاية عم طه بائع الخبز في الغردقة على علاقته بالقرآن أو رحلته في طلب الرزق، بل تمتد إلى علاقاته الإنسانية مع المحيطين به، الذين أصبح كثير منهم يعرفونه ويحرصون على الاطمئنان إليه.
يقول عم طه إن المحبة التي يجدها من الناس تمثل جانبًا مهمًا من حياته اليومية، مشيرًا إلى أن كثيرين يتعاملون معه باعتباره صديقًا أو فردًا من العائلة، وليس مجرد رجل يبيع الخبز في الشارع.
ويمتد هذا التواصل، بحسب روايته، إلى السياح والأجانب الذين اعتاد بعضهم زيارته كلما عادوا إلى مصر، في مشهد يعكس كيف يمكن للتعامل البسيط والإنساني أن يصنع علاقة تتجاوز اختلاف اللغة والجنسية.
وهكذا، تتحول عربة الخبز من مجرد وسيلة لكسب الرزق إلى نقطة لقاء تجمع عم طه بأشخاص مختلفين، وتمنحه شعورًا بأنه ليس وحيدًا في رحلته اليومية، وأن في الحياة وجوهًا كثيرة تحمل الود والتقدير.
«لم أجد راحة مثل التي وجدتها في القرآن»
وحين يتحدث عم طه عن سر تمسكه بكتاب الله، يعود إلى المعنى الذي يرافقه في أيامه؛ فالحياة، مهما اشتدت صعوبتها، تصبح أكثر احتمالًا حين يجد الإنسان ما يمنحه السكينة ويعينه على مواصلة الطريق.
ويختتم حديثه مؤكدًا أنه لم يجد راحة وطمأنينة للنفس مثلما وجدها في القرآن الكريم، معتبرًا إياه سرًا من أسرار السعادة وراحة القلب، ورفيقًا يلازمه في أوقات الشدة والفرح على السواء.
في شوارع الغردقة، قد لا يتوقف كثيرون طويلًا أمام رجل يدفع عربة بائع الخبز في الغردقة في ليلة باردة، لكن وراء هذا المشهد حكاية أب كافح من أجل أبنائه، وإنسان وجد في الإيمان سندًا حين ضاقت به الظروف، وفي العمل طريقًا يحفظ به كرامته، وفي محبة الناس وجهًا آخر من وجوه العون.
وبين رغيف خبز يسعى إلى بيعه، وصفحات قرآن يفتحها كلما احتاج قلبه إلى السكينة، يواصل عم طه رحلته، مؤمنًا بأن الرزق يستحق السعي، وأن الطمأنينة لا تُشترى، بل قد يجدها الإنسان في أبسط الأشياء، حين يمتلئ قلبه بالرضا والثقة في رحمة الله.

