
لم تعد مواجهة التغيرات المناخية مسؤولية الجهات المعنية بالبيئة وحدها، وإنما أصبحت قضية تتطلب مشاركة المجتمع بأكمله، وفي مقدمة ذلك الشباب، الذين يمتلكون القدرة على تحويل الأفكار البيئية إلى مبادرات وحلول عملية. ومن هنا برزت أهمية «الكربون الأزرق» باعتباره أحد الموارد الطبيعية التي تؤدي دورًا مهمًا في امتصاص الكربون والحفاظ على النظم البيئية الساحلية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، شهدت فعاليات المؤتمر السنوي الرابع عشر للبيئة الساحلية مناقشات موسعة حول أهمية الكربون الأزرق ودوره في مواجهة التغيرات المناخية، بمشاركة نحو 150 شابًا وفتاة من 15 دولة عربية وأفريقية، في إطار اهتمام متزايد بتعريف النشء والشباب بالقضايا البيئية وتشجيعهم على ابتكار حلول عملية للحفاظ على البيئة.
واستمرت فعاليات المؤتمر على مدار 4 أيام، واختُتمت فعالياته في فندق سيجال، بتنظيم مشترك بين جامعة الدول العربية ووزارة الشباب والرياضة، حيث تضمن المؤتمر مجموعة من الفعاليات والمناقشات والمبادرات المرتبطة بالقضايا البيئية والتغيرات المناخية.
لماذا «الكربون الأزرق»؟
وأوضح الدكتور سيد خليفة، رئيس الاتحاد العربي بجامعة الدول العربية، أن تسمية «الكربون الأزرق» ترتبط بالنظم البيئية الساحلية والبحرية، ومن بينها النباتات التي تنمو في البيئات المالحة، وفي مقدمتها أشجار المانجروف، والتي تتمتع بقدرة على امتصاص غازات الاحتباس الحراري وتخزين الكربون في التربة والرواسب المرتبطة بهذه النظم البيئية.
وأشار إلى أن وصفه بـ«الأزرق» يأتي لارتباطه بالبيئات البحرية والساحلية، في حين يرتبط «الكربون الأخضر» بالنظم البيئية البرية، وفي مقدمتها الغابات والنباتات، موضحًا أن كلا النوعين يمثلان جزءًا من الحلول الطبيعية التي يمكن الاستفادة منها في الحد من آثار التغيرات المناخية.
وتكتسب النظم الساحلية أهمية خاصة؛ لما تقوم به من أدوار بيئية متعددة، إلى جانب قدرتها على تخزين الكربون، وهو ما يجعل الحفاظ عليها قضية تتجاوز حماية الشواطئ والمناطق البحرية، لتصبح جزءًا من الجهود الرامية إلى مواجهة التغير المناخي.
الشباب في مواجهة التغيرات المناخية
ومن جانبها، أكدت جيهان حنفي، مساعد وزير الشباب والرياضة، أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بملفات التغيرات المناخية والقضايا البيئية، وهو ما يأتي في إطار مشاركتها في فعاليات المؤتمر السنوي الرابع عشر للبيئة الساحلية، وتسليط الضوء على أهمية الكربون الأزرق ودوره في مواجهة التغيرات المناخية.
وأوضحت أن توعية النشء والشباب بالقضايا البيئية لا تقتصر على تقديم المعلومات، وإنما تمتد إلى تعريفهم بالآليات والممارسات التي يمكن اتباعها للحفاظ على مصادر الكربون الأزرق والنظم البيئية الساحلية، وتشجيعهم على المشاركة الفعلية في المبادرات البيئية.
وفي هذا السياق، شهد المؤتمر تنظيم مجموعة من المسابقات الموجهة إلى الشباب والأطفال في مجال الابتكارات والمبادرات البيئية، بهدف اكتشاف الأفكار التي يمكن أن تسهم في الحد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية، وإعادة الاستفادة من المخلفات بدلًا من تحولها إلى مصدر للتلوث.
من قش الأرز إلى الشواطئ.. أفكار شبابية لحماية البيئة
وضمت المبادرات المطروحة نماذج للاستفادة من قش الأرز وتحويله إلى منتجات ورقية بدلًا من حرقه، بما يسهم في الحد من الملوثات الناتجة عن التخلص منه بطرق غير آمنة، إلى جانب تجربة الاستفادة من سيقان الموز وإعادة تدويرها في إنتاج مواد ومنتجات ذات استخدامات مختلفة.
كما تضمنت المبادرات أفكارًا مرتبطة بالحفاظ على الشواطئ، من خلال تنظيفها وجمع المخلفات البلاستيكية وإعادة تدويرها وتحويلها إلى أشكال ومنتجات يمكن الاستفادة منها في تجميل الشواطئ، في نموذج يعكس إمكانية تحويل المخلفات من عبء بيئي إلى مورد قابل لإعادة الاستخدام.
وتكشف هذه النماذج عن أهمية إشراك الشباب في القضايا البيئية بصورة عملية، فالحفاظ على البيئة لا يرتبط فقط بالقوانين والقرارات، وإنما يبدأ أيضًا من تغيير السلوك، وتشجيع الابتكار، وإتاحة المجال أمام الأفكار الجديدة التي يقدمها الشباب والأطفال.
الشباب.. المحرك الرئيسي للمبادرات
وأكد هيثم جمال السدوري، المنسق العام للاتحاد العربي بجامعة الدول العربية، ضرورة الاهتمام بالشباب باعتبارهم عصب الأمة والمحرك الرئيسي لإنجاح المشروعات والمبادرات داخل المجتمع.
وأشار إلى أهمية دعم الشباب وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في القضايا المجتمعية والبيئية، والاستفادة من أفكارهم وقدراتهم في تنفيذ المبادرات التي تستهدف خدمة المجتمع والحفاظ على البيئة.
«الكربون الأزرق».. من المعرفة إلى الفعل
ويطرح المؤتمر السنوي الرابع عشر للبيئة الساحلية قضية الكربون الأزرق من زاوية تتجاوز التعريف بالمفهوم، إلى التأكيد على أهمية حماية النظم البيئية الساحلية وتعزيز الوعي بدورها في مواجهة التغيرات المناخية.
فبينما تمثل أشجار المانجروف وغيرها من النظم الساحلية مخزونًا طبيعيًا للكربون، تمثل المبادرات الشبابية وجهًا آخر من وجوه المواجهة؛ يبدأ من تقليل المخلفات وإعادة تدويرها، ولا ينتهي عند نشر الوعي البيئي.
وبين سواحل تحمل ثروة طبيعية من الكربون الأزرق، وشباب يبحثون عن حلول جديدة لمواجهة التغيرات المناخية، اختتمت فعاليات المؤتمر بعد أربعة أيام من النقاش والمشاركة، ليبقى التحدي الحقيقي هو تحويل المعرفة التي اكتسبها المشاركون إلى ممارسات مستمرة ومبادرات تمتد آثارها إلى المجتمع والبيئة.



