حينما توقفت مياه النيل حزنًا.. رحيل الفارس النبيل وصاحب الابتسامة.. عبدالفتاح وخيري، رحيلان لا يداويهما الز

بقلم: احمد المراشدى
رافقت أقاربي مساء اليوم السبت ، وعبرنا نهر النيل من غربه، حيث قريتي المراشدة، إلى شرقه، حيث مدينة دشنا، لأداء واجب العزاء في اثنين من أعز الأصدقاء، الأخ والصديق عبدالفتاح أبو الشيخ، وصاحب الوجه البشوش والقلب الطيب خيري وصفي.
كان المشهد مختلفًا هذه المرة.. حتى مياه النيل بدت وكأنها توقفت حزنًا، ساكنة على غير عادتها، لا أمواج تتحرك ولا مشهد يوحي بالحياة التي اعتدناها على ضفتيه. وكأن النهر هو الآخر أدرك حجم الفاجعة، فاختار الصمت حزنًا على رحيل شابين في مقتبل العمر، جمعهما القدر في يوم واحد، وترك خلفهما وجعًا لا تستطيع الكلمات وصفه.
رحل خيري صباحًا، بعد معاناة مع المرض، لكنه لم يسمح يومًا للوجع أن يهزم ابتسامته. ظل راضيًا بقضاء الله، صابرًا محتسبًا، بشوش الوجه، طيب القلب، حتى لقي ربه. وبعد ساعات قليلة، جاء الخبر الأكثر قسوة، ليلحق به عبدالفتاح أبو الشيخ، إثر إصابته بطلقات نارية عن طريق الخطأ خلال مداهمة أمنية لقوات الشرطة لوكر لتجار المخدرات بمنطقة جبل المراشدة.
عبدالفتاح.. فارس ترجل عن صهوة جواده مبكرًا
كانت جنازة عبدالفتاح أشبه بموكب عريس يُزف إلى الجنة، رغم أن المشهد كان أكبر من قدرة القلوب على الاحتمال. حشود من المحبين والأصدقاء، ودموع لم تستطع الكلمات أن تخفيها، ووجوه يكسوها الذهول، وكأن الجميع يرفض تصديق أن هذا الشاب الذي ملأ الدنيا حركة وحيوية أصبح خبرًا نتناقله بمرارة.
عبدالفتاح، الذي ينتمي إلى عائلة الشاذلي العريقة، وأخواله من عائلة الصعايدة، عاش حياته وسط أهله وأحبائه في المراشدة غرب النيل، فكانت قريته بيته الكبير، وأهلها عائلته التي احتضنته وأحبته.
كان فارسًا نبيلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عشق الخيل والفروسية منذ نعومة أظافره، وجال بخيوله في البلدان شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، مشاركًا في حفلات الخيل ومناسبات الفروسية، حتى أصبح اسمًا معروفًا ووجهًا مألوفًا ومحبوبًا لدى الكثيرين في مختلف البلدان.
لم يكن مجرد شاب يمتطي جوادًا، بل كان يحمل في داخله روح الفارس، وترك في قلوب أصدقائه وأحبابه سيرة طيبة وذكريات لا تمحوها الأيام.
وفي عزائه، رأيت مشهدًا يلخص مكانته؛ أصدقاء وأحباب يقفون إلى جوار أهله، يتقاسمون معهم ألم الفقد، وكأن الجميع جاء ليقول إن الفارس وإن غاب بجسده، فإن سيرته ستظل حاضرة بين الناس.
وخيري.. ابتسامة لم يهزمها المرض
وعلى بُعد خطوات، كان هناك سرادق عزاء آخر، لصاحب القلب الطيب والوجه البشوش، خيري وصفي، الصديق والأخ وعِشرة السنوات.
خيري لم يكن مجرد صديق عابر، بل كان من أولئك الذين تأنس بوجودهم، وتطمئن لحديثهم، وتفتقدهم حتى وهم بيننا. خاض معركته مع المرض، وتحمل أوجاعه بصبر ورضا، ولم يفقد ابتسامته التي عرفه بها كل من اقترب منه.
رحل خيري تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في قلوب محبيه، وذكريات تختلط فيها الضحكات بالدموع، ومواقف لن يستطيع الزمن أن ينتزعها من الذاكرة.
رحيلان في يوم واحد… ووجع علي ضفتي النيل
ما أقسى أن تعبر النيل لتؤدي واجب العزاء، فتجد نفسك أمام سرادقين، وحكايتين، ووجعين، واثنين كانا بالأمس بيننا، واليوم أصبحا في ذمة الله.
رحل خيري بعد رحلة صبر مع المرض، ورحل عبدالفتاح في حادث مأساوي لم يكن أحد يتخيل أن تكون نهايته بهذه السرعة. اختلفت الحكايتان، لكن الوجع واحد، والفقد واحد، والدعاء واحد.
عدنا من شرق النيل إلى غربه، لكننا لم نعد كما ذهبنا. تركنا خلفنا أحبة يبكون، وأصدقاء يستعيدون الذكريات، وبيوتًا فقدت أبناءها، وقلوبًا ستظل تنتظر وجوهًا لن تعود.
وربما كانت أكثر اللحظات قسوة حين التفتُّ إلى مياه النيل في طريق العودة، فوجدتها كما تركناها.. ساكنة، هادئة، وكأنها ما زالت تحمل حزنها على ضفتيها. تمنيت لو أن النهر يستطيع الكلام، ليروي حكاية شابين رحلا في يوم واحد، ويشهد على دموع أناس عبروا إليه بالأمس، وعادوا اليوم بقلوب أثقلها الفراق.
رحم الله عبدالفتاح أبو الشيخ، ورحم الله خيري وصفي، وغفر لهما وأسكنهما فسيح جناته، وألهم أهلهما وأصدقاءهما ومحبيهما الصبر والسلوان.
سلامٌ على فارس ترجل عن جواده مبكرًا، وسلامٌ على صاحب ابتسامة لم يهزمها المرض.. رحلتما في يوم واحد، لكن ذكراكما ستظل حاضرة على ضفتي النيل، وفي قلوب كل من عرفكما وأحبكما.



